حسن بن موسى القادري
134
شرح حكم الشيخ الأكبر
وقال : قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [ الأنعام : 91 ] ، والخلق إن دعاك إليهم ظاهرهم فقد نهاك عنهم باطنهم ، واللّه تعالى وسم الدنيا بالوحشة والأغيار والأكدار تزهيدا للمريد فيها ، ويأنس بالواحد العزيز الغفار . 20 - السائر إلى اللّه منقطع برؤياه . فمن سار إلى اللّه ينقطع عن سيره برؤية ما سواه ، وينقطع عن الخلق برؤياه ، كما قال قدّس سرّه : ( السائر إلى اللّه منقطع برؤياه ) أيّ : الذي يسير إلى اللّه للّه باللّه منقطع ، ومعرض عن جميع الخلق من المحسوسات ، والمعقولات ، والجسمانيات والروحانيات بسبب رؤيته الحق تعالى ( فالباء ) سببيه ، والضمير للّه تعالى ، فيفيد أن الانقطاع عن الخلق إنما يكون بالرؤية ، وقد مرّ أنه محال أن يراه ، ويشاهد معه سواه ، وكما أن الانقطاع إنما يكون بالرؤية ، فكذلك الرؤية إنما تكون بالانقطاع ، لكن هذا الانقطاع اختياري ، والأول اضطراري وشتان ما بينهما فلا توقف ولا دور . ويحتمل أن يكون الضمير في ( برؤياه ) راجعا إلى السائر لا إلى اللّه تعالى ، ويكون المتعلق المقدر المنقطع عن السير لا عن الخلق أي : هذا اللفظ دون ذاك فيكون المعنى السائر إلى اللّه تعالى منقطع عن سيره بسبب رؤيته نفسه ؛ لأن السالك الذي يسلك بنفسه ، ويرى في سلوكه وجوده مردود ، والطريق عليه مسدود ، وهو المراد بقول السلطان أبي يزيد طيفور البسطامي قدس سره : ( السالك مردود ، والطريق مسدود ) ، فلا ينافي قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من طلب اللّه وجده « 1 » » ؛ لأن مراد أبي يزيد السالك بنفسه . ومراد النبي صلى اللّه عليه وسلم : الطالب باللّه أو بمن هو باللّه ، فاندفعت المنافاة ، وزالت الشبهات فيما ذكر وتطايره فافهم واللّه أحكم وأعلم . 21 - من قنع بخالص الحلال ، يرجى له الكمال . ثم إن منشأ المذكورات من الاتّصاف بالصفات الروحانية وغيره مما ذكر تناول الحلال ؛ إذ به ينال العبد ما ينال ، ويحصل له الكمال ، كما قال قدّس سرّه :
--> ( 1 ) ذكره السيوطي في الدر المنثور ( 5 / 109 ) بنحوه .